الأربعاء، 1 يونيو 2011

شرح حديث معاذ

عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا الى اليمن قال له : (إنك تأتى قومآ من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لاإله إلا الله ) وفى رواية : الى أن يوحدوا الله ،فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات فى كل يوم وليلة فإن هم اطاعوك لذلك فاعلمهم ان الله افترض عليهم صدقة
تؤخذ من اغنيائهم فترد على فقرائهم ،فإن هم آطاعوك لذلك : فأياك وكرائم أموالهم 0واتق دعوة المظلوم ،فإنه ليس بينه وبين الله حجاب )أخرجاه
1استعداد الداعية لبيئة الدعوة
كان بعث معاذ الى اليمن فى نهاية حياة النبى صلى الله عليه وسلم ،فقيل سنة ثمان :وقبل سنة تسع "وقبل سنة عشرة "والمشهور الأخير ولم يأتى معاذ رضى الله عنه من اليمن إلا فى عهد خلافة إبى بكر الصديق رضى الله عنه ،وكان معاذ واليآ وقاضيآ باليمن كما رجح صاحب التيسير ، وكان اليهود والنصارى فى اليمن فى هذا الوقت" اكثر من مشركى العرب ، لهذا نبه صلى الله عليه وسلم معاذآ: مشيرآ إلى ضرورة أن يعرف الداعى نوع الثقافة المنتشرة فى البيئة المقصودة بالدعوة حتى يستعد لها ،ويتهيأ لتبليغهم بالوسائل المناسبة ،
وقال الحافظ : هو كالتوطئة للوصية ليجمع همته عليها
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله : وفيه أن مخاطبة العالم ليست كمخاطبة الجاهل والتنبيه على انه ينبغى للإنسان ان يكون على بصيرة فى دينه لئلا يُبتلى بمن يورد عليه شبهة من علماء المشركين
2تطابق معنى الشهادتين مع معنى التوحيد والعبادة
قوله :"
فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله الا الله ، وفى رواية أن يوحدوا الله " قال صاحب تيسير العزيز الحميد "هذه الرواية فى التوحيد من صحيح البخارى ، وفى بعض الروايات (فادعهم الى شهادة أن لا إله الا الله وأنى رسول الله )وفى بعضها " أن محمدآ رسول الله "
واكثر الروايات فيها ذكر الدعوة الى الشهادتين ، وقد جاء الحديث مرة بلفظ (
وشهادة أن لا اله الا الله ومرة ان يوحدوا االله )
ومرة " فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله "

وبهذا يتبين أن معنى لاإله إلا الله هو التوحيد ،وأن التوحيد هو :إفراد الله بالعباده ،والعبادة ثلاث انواع




وهذا هو معنى الإسلام: اذا هو الخضوع والإستسلام لدين الله، وليس الأمر مجرد انتساب ، او دعاوى عارية من الإتباع ،ولكن هذا هو حد الإسلام وحقيقة الإيمان ،فإذا تخلف ركن من اركان العبودية الثلاث تخلف الإيمان كله لانها متلازمة لاتقبل إلا مجتمعه:وتأمل قوله تعالى ( 1افراد الله بالنسك ، 2وإفراد الله بالطاعة فى تشريعة ورد ما يخالفة
3، وإفراد الله بالولاءولازمه هو البراءة من الكافرين وما يؤمن اكثرهم بالله إلا وهم مشركون )فيتضح أن الإتيان ببعض التوحيد وترك الباقى لا ينفع العبد ،فلابد من استيفاء حد التوحيد بالإتيان بأصولة التى لا يصح الإيمان الإ بها
قال صاحب تيسير العزيز الحميد (:فلله ما افقه من روى هذا الحديث بهذه الألفاظ المختلفة لفظآوالمتفقة معنى فعرفوا أن المراد من شهادة أن لاإله إلا الله هو الإقرار بها علمآ ونطقآ وعملآ خلآفآ لما يظن بعض الجهال أن المراد من هذه الكلمة هو مجرد النطق بها ، أو الأقرار بوجود الله او ملكه لكل شئ من غير شريك فإن هذا قدر قد عرفه عُباد ألاوثان وأقروا به فضلآ عن أهل الكتاب ولو كان كذلك لم يحتاجوا الى الدعوة اليه )"تيسير العزيز الحميد ص_ 126 *
3وجوب البدء بالعقيدة
ووجوب البدء بالعقيدة ومن فوائد هذا الحديث وذلك حتى تتجلى مفاهيم العقيدة كاملة :ولأنه لا شئ اخطر من الشرك وهو الذنب الذى لا يغفره الله :والبعض ممن ينتسب للدعوة الآن يقيم الدنيا ولا يقعدها على امور فرعيه ،أو على ذنوب قد يغفرها الله : ثم يرى الشرك والكفر البواح ولا يُحرك ساكنآ ، ولا يُسكن متحرك ، وما أشبه هذا بمن قيل ( انه يذُب الذباب عن نفسه ، وقد دخلت العقارب تحت ثيابه : فترى الحديث لا يْفتُر، والكتب تصدر ،وتُعقد اللقاءات ، وتنفق الأموال ، وتضيع الأعمار : والأوقات ، فى قضية جزئية من قضايا الهدى الظاهر ، مثل مسألة اللحية ، والنقاب – أو حديث ضعيف فى كتاب ، أو ترى من يشغل نفسه فى الإنتصار لقضية خلافية ، اختلف فيها العلماء من قبله ،أو ترى من لا يعجبه إجتهاد بعض العلماء فى مسألة فيصدر الكتب ، ويعقد اللقاءات ، ليرد على هذا الإجتهاد 0 وبالجملة فهم غارقون فى جزئيات من الدين :مرة بالحق ومرات بالباطل 0 بينما يجتاح الشرك مجتمعات بأكملها- ويصدر الكفر البواح من هنا أو هناك ولا يجد من يتصدى له 0فإن ظهر عالم أو داعية ليقف فى وجه العلمانية الطاغية ،وجدت هولاء الأدعياء يقذفونه بالسهام فى ظهره فيُشنعون عليه ،فما أشبه هولاء بالطابور الخامس ، وما اشبه عملهم بعمل المنافقين الذين يُخذلون ويثبطون ، ويهدمون ما يبنيه غيرهم 0 فالواجب الذى يدل عليه حديث معاذ هو البدء بعقيدة التوحيد 0 توحيد الله فى الحاكمية والتشريع ،وتوحيد الله فى النسك والشعائر ،وتوحيد الله بالولاء له والولاء فيه ، والأنتصار للحق ،
والكراهية للمشركين
،والهدى النبوى فى الدعوة هو محاربة الشركيات المنتشرة فى المجتمع الذى يهدف إلى إصلاحه الداعية0وتأمل هذا الهدى الربانى فى دعوة القرآن : فعندما كانت الدعوة تتوجه الى المشركين من عُباد الاوثان :نزلت ألايات المتعددة تصف هذه الآوثان بأنها مجرد اسماء أفتراها المشركون السابقون واللاحقون منهم ،وأنها لا تضر ولا تنفع (
قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضُر عنكم ولا تحويلآ)الاسراء 56"فكان شرك هولاء فى تأليه الأوثان والاعتقاد فيها فجاءت الآيات كلها ترد عليهم شركهم ولكن لما ظهر فى المدينة اليهود ، ثم النصارى توجه الخطاب إليهم يرد عليهم إنواع الشرك 0من تألية عيسى وعزيز ، واتخاذ الآحبار والرهبان أرباب 0أى قبول التشريع منهم وترك تشريع الله 0 ثم تحريف الكتاب ، وقتل النبيين من قبل ، ووصف الله بما لا يليق فإذا عرفت هذا تبين لك 0أن الدعوة فى كل مجتمع يجب أن تواجه نوع الشرك السائد فى المجتمعات ، وانواع الأنحراف المنتشرة فى المجتمعات ،وأعظم انواع الشرك فى مجتمعاتنا هى العلمانية 0 التى تحكم بشريعة من عندياتها 0وتترك شريعة الأسلام وكذلك اعطاء الولاء لليهود والنصارى والوقوف فى صفهم ضد أهل الأسلام ، وهذا الأنحراف الشديد فى سيطرة القيم الأوربية على حياة المسلمين ،وضياع دولة الأسلام ،وانهدام الخلافة فهذه من اعظم الأخطار التى تهدد بُنيان الأسلام ،ومن أعظم مشكلات مجتمعاتنا ذلك الانفلات من العمل بشرئع *الإسلام 0فواجب الدعوة إحياء العمل بالإسلام ورد الشرك بكل صورة 0واستئناف الحياة الإسلامية كما كانت فى عصر الصحابة ، وتحصيل العلوم الحديثة لمواجهة العالم المتغير وسد الفجوة بيننا وبين الأخرين ، لأن تطورهم العلمى وقوتهم الاقتصاديه والعسكريه ، ستدفعهم إلى السيطرة علينا وتصدير مناهجهم الكفرية الى عقول رجال منا 0وهذا هو الحاصل الآن 0 وبهذا نعلم ان التبعة ثقيلة ،وأن الخروج من سيطرة الجاهلية العالمية والمحلية يتطلب جهودآ مضاعفة واستعانة وتوكلاعلى خالق السموات ،
..................
4الانسان يدخل الاسلام بنطق الشهادتين مع دراية معناهما
ومن فوائد الحديث : أنه لا يحكم بإسلام الكافر إلا بالنطق بالشهادتين وحكى شيخ الاسلام اتفاق المسلمين على ذلك قال الشيخ سليمان بن عبد الله ( أما من كفره مع ألإقرار بهما ففيه بحث والظاهر أن اسلامه هو توبته عما كفر به )
قلت : هذا ما ذهب العلماء اليه
قال محمد بن الحسن الشيبانى :عن اليهود فى عصره"فأما اليوم ببلاد العراق فإنهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدآ رسول الله ولكنهم يزعمون أنه رسول العرب خاصة لا الى بنى اسرائيل ويتمسكون بظاهر قوله تعالى (
هو الذى بعث فى الأميين رسولآ منهم )"الجمعه فمن يقر منهم بأن محمد رسول الله لا يكون مسلماً حتى يتبرأ من دينه مع ذلك أو يقر بأنه دخل فى الاسلام " "شرح السيرالكبير 150"
وقال الحافظ فى الفتح نقلآ عن البغوى
(إن الكافر اذا كان وثنياً أو ثانوياً لا يقر بالوحدانيه فإذا قال لا اله الأ الله حكم بإسلامه ثم يجبر على قبول جميع احكام الاسلام ويبرأمن كل دين يخالف دين الاسلام
وأما من كان مقرا ًبالوحدانية منكراً للنبوة فإنه لا يحكم بإسلامه حتى يقول محمد رسول الله" ص" ،فإن كان يعتقد أن الرساله المحمديه للعرب خاصة فلابد ان يقول لجميع الخلق فإن كان كافراًبجحود واجب ، واستباحةمحرم فيحتاج أن يرجع عما اعتقده" الفتح 12/247

وبهذا يُعلم أنه يحكم بالإسلام لمجرد التلفظ ما لم يقترن مع تلفظه ما يدل على بقائه على الشرك 0 أو مظاهرة المشركين ،أو امتناعه عن قبول الحكم ،ويفترض فيه ترك الشرك والتزام الشرائع

ثانياً:إن اقترن مع التلفظ ما يدل دلالة قطعية على الشرك أو رفض الشرائع ، أو مظاهرة المشركين ، فلا عبرة بأقوال كذبتها الأفعال
ثالثاً: إذا وجد لوث ظاهر يُُُدخل شبهة على إرادته لمدلول الشهادتين أو كان فى تلفظه ما يشكل فلابد من التبين لموضوع اللوث
واللوث الظاهر : مثل اليهود الذين ينطقون الشهادتين ولكنهم يزعمون ان الرساله للعرب فقط ، ومثل البهائيين والقاديانيين وغلاة العلمانيين فكل هولاء
ينطقون بالشهادتين فلا يُحكم بإسلامهم إلا إذا تبراءو من العلة التى اوجبت كفرهم
..................
5الصلاة والزكاة من اعظم اركان الدين بعد التوحيد
ومن فوائد الحديث أن الصلاة من اعظم الواجبات بعد التوحيد ، وأن الزكاة أوجب الاركان بعد الصلاة ،وأن حق الفقير فى الزكاة مقدم على بقية اصحاب الحقوق مثل العامل عليها والمجاهد ، ما لم يظهر سبب يقدم المجاهد على الفقير
وفى الحديث أن الأمام أو نائبه هو الذى يتولى قبض الزكاة ،وأن الزكاة فى مال الصبى والمجنون لعموم قوله من أغنيائهم
وفى الحديث : أنه يحرم على العامل كرئم الأموال فى الزكاة بل يأخذ الوسط
6(تحريم الظلم وعقوبته)
وقوله " واتق دعوة المظلوم " أى أحذر دعوة المظلوم00

الظلم هو الجور ومجاوزة الحد ،ووضع الشئ فى غير موضعه وفى المثل "من استرعى الذئب فقد ظلم "يضرب لمن يولى غير الأمين وقيل الظلم هو النقص قال تعالى (كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئاً)الكهف 33 يعنى لم تنقص منه شيئاًً

والظلم نوعان ، منه ما يتعلق بحقوق الله ومنه ما يتعلق بحقوق العباد ،ومن أعظم انواع الظلم المتعلق بحقوق الله الإشراك بالله وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم "أى الذنب اعظم قال "
أن تجعل لله نداًًً ًوهو خلقك "وهو الظلم العظيم كما فى وصية لقمان لأبنه
يقول تعال "
وما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع "نافر 88 وقال تعالى "وما للظالمين من نصير "الحج 71 فأخبر تعالى أن الظالم لاحميم له أى صديق ،ولا شفيع يشفع له ،وذاك عقوبة له على ظلمه ،وربما وجد اصحاب الذنوب الأخرى من يشفع لهم ومن يرق لحالهم بينما الظالم بعكس ذلك فكما لم يرحم الناس فى الدنيا فإنه لا يرحم يوم القيامة ولا يشفق عليه أحد لمِا أصابه
ويقول صلى الله عليه وسلم "
أتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة "رواه مسلم
أى فاحذروه،لانه جالب الظلام فى يوم الرعب والهول 0
ولكل مسلم نور يوم القيامة ،ولكن الظالم بقدر ظلمه يذهب من نوره0
وفى الحديث تحذيرلأصحاب المناصب والمراكز من الظلم بحكم سلطتهم ولا ُُيقال أن الظلم المتبع فى ظل هذه الامور سياسة بل السياسة هى ما شرعه الله بوسائل العقوبات لمن كان أثماًً،فكل من تعدى بحكم منصبه فهو ظالم 00 وهو متعرض لعقوبة الظالم يوم القيامة
وفى الحديث أن دعوة المظلوم مستجابة ،وإن كان فاجراً ًففجوره على نفسه
.............................
وفى الحديث دليل على قبول خبر الواحد العدل وجواز العمل به
وفى الحديث أن الإمام يقوم ببث الدعاة للتعريف بالإسلام والدعوة اليه

انور الزعيرى

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق